• 2022-07-15

المنهج النبوي في المحافظة على الصحة العامة

الوضوء وأهميته العلمية والصحية (1/2)

ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم أنه قال "الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ"، وعندما فسر الإمام النووي معنى الطهور في كتابه (المجموع شرح المهذب) قال: "وأما الطهارة في اصطلاح الفقهاء فهي إزالة حدث أو نجَس أو ما في معناهما وعلى صورتهما"، وبناءً على هذا التعريف يتبين – كما أشارت بعض المراجع – أن الطهارة تنقسم إلى قسمين:
• القسم الأول: طهارة من الحدث وتسمى حكمية وتكون مختصة بالبدن. وطهارة الحدث ثلاث: كبرى وهي الغُسل، وصغرى وهي الوضوء، وبدلاً منهما وهو التيمم.
• القسم الثاني: طهارة من النجس (أو الخبث) وتسمى حقيقية وتكون مختصة بالبدن والثوب والمكان. وطهارة النجس ثلاث: غُسل ومسح ونضح.
ووردت في القرآن الكريم العديد من الآيات التي تحث على الطهارة، فقد جاء في الآية 222 من سورة البقرة (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)، وهذا يعطينا مؤشراً مهماً وقوياً مفاده أن الطهارة والنظافة منهجية وذات قيمة قصوى في الإسلام ولا يمكن التنازل عنها، ومن السبل التي تساهم بصورة يومية في الطهارة والنظافة.. الوضوء، والأكيد في الأمر أن الصلاة لا تُقبل إلا بالوضوء، فلماذا؟
تعني كلمة الوضوء كما ورد في (لسان العرب) وقاموس (المحيط): الوضاءة، والوضاءة تعني الحُسْنُ والبَهْجَةُ والنظَافَة، والوَضَاءةُ مصدر الوَضِئ: وهو الحَسَن النظيف. تقول توضأْتُ أتوضأ توضؤًا ووضوءًا، والوَضوء بالفتح: هو الماء الذي يُتوضأ به، وبالضم: الفعل. والميضأة: الموضع الذي يُتوضأ فيه ومنه.
وتشير دراسة لمنظمة الصحة العالمية أن الغُسل بالماء – بصفة عامة – يزيل حوالي 90% من الكائنات الدقيقة التي تعيش على الجسم. ويشير كتاب (الوقاية الصحية على ضوء الكتاب والسنة) للباحثة لؤلؤة العلي إلى أن من أنجح طرق الوقاية لإزالة تلك التراكمات وتعني – في مكان آخر من الكتاب – كل تلك المواد الكيميائية والكائنات الدقيقة والمواد الملوِّثة التي تتسبب في العديد من الأمراض الجلدية هو بالماء والوضوء خمس مرات يوميًا، إذ إنه يزيلها أولاً بأول ولا يجعلها تتراكم، وبالتالي لا تؤثر على خلايا الجلد، ولا تعرضه للإصابة بمثل هذا المرض الخبيث (وتقصد الباحثة بذلك: الأورام وسرطان الجلد).
وفي دراسة بعنوان (فَرَائِضُ الْوُضُوءِ بَيْنَ الْفِقْهِ وَالْإِعْجَازِ الْعِلْمِي) لكل من الدكتور سالم عبدالله أبو مخدة والباحثة صفاء ناجي أبو معوّض، يشيران فيه للكثير من الحقائق التي تتحدث عن الإعجاز العلمي للوضوء، وتجدر الإشارة إلى أنه يصعب علينا في هذا المقال أن نستعرض كل ما ورد في البحث إلا إننا سنحاول أن نستعرض بعضاً من تلك الحقائق والمطعَّمة بحقائق من بحوث أخرى وربما إعادة صياغة جزء منها.
الأهمية العلمية والصحية لغسل الوجه
نعلم جميعًا أن الوجه هو المرآة الحقيقية للإنسان، فكل وجه هو عبارة عن موسوعة حية للتطور الروحي والعاطفي والعقلي والبدني، لذلك فإن الإسلام اعتنى بهذه المرآة اعتناءً تامًا حين جعله فرضًا من فرائض الوضوء، فعندما تكون المرآة لامعة وصحية فإنها تُظهِر أن هذا الإنسان صحيح وسليم.
ولقد وجد العلم اليوم أن الغدد العرقية تحتشد بصورة كبيرة في الجبهة، لذلك فإنه بغسل الوجه يتم تنظيف تلك الجبهة من الكائنات الدقيقة والغبار الذي يتراكم عليها من الجو الخارجي فتكون مصدرًا للملوِّثات. وأشارت كتب الطب الوقائي إلى أنه في حالة تنظيف جلد الوجه بغسله بالماء الدافىء والصابون في مواقيت متقاربة فإن ذلك ينظِّفه ويعيد حيويته ، إلا أن تلك المراجع أشارت إلى أنه يمكن الاستعاضة عن الماء الدافىء والصابون بالوضوء الذي يتكرر خمس مرات يوميًا واشتماله في كل مرة على ثلاث غسلات، بمعنى إننا نغسل أوجهنا 15 مرة يوميًا وفي أوقات محددة وثابتة، فهذه العملية المكررة تمنع من ظهور البثور والتقَرُّحات والتهَيُّجات، وتمنع كذلك تراكُم المادة الدهنية والغبار والأوساخ والكائنات الدقيقة، وفوق ذلك تفتح مسام الجلد وتجعله يتنفس، وبالتالي تَضْعُف إفرازات العرق ومن ثم تنخفض نسبة الملوثِّات السامة التي قد تؤدي إلى ظهور أعراض التسمم الذاتي وتنتج عن ذلك الإصابة بفقر الدم وشحوب اللون. وعليه فإن تكرار غسل الوجه يعطي مناعة طبيعية للوجه من ظهور التجاعيد بسبب جفاف الجلد.
ومن الملاحظ أن تكرار غسل الوجه ينشأ عنه تدليك النقاط العصبية فيه، وهذا بدوره يؤدي إلى تنشيط الدورة الدموية العامة وتجديد حيوية الجسم بتنبيه الأعصاب وعلاج الصداع وشلل الوجه النصفي والجيوب الأنفية.

الأهمية العلمية والصحية من غسل اليدين إلى المرفقين
يشير البحث إلى أن اليدين إلى المرفقين تمر بهما ستة مسارات من مسارات الطاقة – وهو ما أثبته الطب الصيني – وهي: الرئتان والأمعاء الغليظة والأمعاء الدقيقة والقلب وغلاف القلب وممر المسخن الثلاثي؟؟، فعند تدليك اليدين إلى المرفقين تتم إعادة توازن طاقة هذه المسارات، وإزالة أي انسداد حدث بها، كما أن بعض النقاط في هذه المسارات لها تأثير إيجابي على جهاز المناعة للإنسان، والتي تقع بجوار المرفق عند ثنْي الذراع، بالإضافة إلى الكثير من النقاط غيرها كالتي تعيد نشاط العمود الفقري والركبة والمثانة ونقاط الاسترخاء والهدوء.
ويشير الباحث عدنان الشريف في كتابه (الطب الوقائي) إلى أن غسل اليدين إلى المرفقين يعمل على نظافة الجلد، وخاصة أن هذا الجزء من الأجزاء المعَرَّضة للوسط الجوي بما فيه من كائنات دقيقة وأتربة ورواسب وفضلات.
وللجلد – كما يشير الباحث – أهمية كبرى ووظائف حيوية عدة منها أنه درع سابغة على البدن ترُدُّ عنه الكائنات الدقيقة، ومنها ضبْط حرارة الجسم بواسطة العرق الذي تفرزه غدد صغيرة منتشرة فيه تبلغ نحو المليونين. ويعتبر العرق من أقوى العوامل المقاوِمة لضربة الحر أو الشمس. وإذا ما برد الجو فإن الأوعية الشعيرية تنقبض وينقص إفراز العرق. وتتفاوت كمية العرق التي يفرزها الجلد في اليوم الواحد فهي تتراوح بين سبعمائة سنتمتر مكعب ولترين، ومنها أنه يخرج مع العرق جزء من الفضلات السامة التي تطرحها الأنسجة في الدم، ومنها أنه يمنع الماء من النفاذ إلى داخل الجسم بسبب المليونين من الغدد الدهنية المنبثة فيه وبسبب الطبقة القرنيَّة فيه بوجه خاص، ومنها أنه عضو رئيس من أعضاء الحس يُشعِرنا بواسطة نهايات عصبية وجسيمات اللمس وهو بذلك يقوم مقام العينين في معرفة أشكال وأحجام وحرارة وملمس الأجسام، ومنها التنفس وذلك بواسطة المسام المنتشرة فيه، كما تتنفس الرئتان فتمتص أوكسجين الهواء وتطرح حمض الكربون. كل ذلك يمكن أن يتعطل ويتلف ولا يؤدي الجلد وظائفه إنْ لم نغسله بصورة دائمة بالوضوء.
ولكن، ماذا عن بقية الأعضاء التي أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالاعتناء بها وغسلها في الوضوء، هذا الموضوع سنستكمله في المقال القادم بمشيئة الله.

آخر أخبار الدكتور زكريا الخنجي

  • بروتوكول وآداب تناول الطعام

    2022-12-20

    عندما جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم لتناول الطعام مرة وجد أن يد الصحابي الغلام (عمر بن أبي سلمة) رضي الله عنه تطيش في الإناء، فقال صلى الله عليه وسلم بكل هدوء ومن غير غضب أو زجْر بهدف تعليم الغلام وتعليم الأمة واحدة من أهم آداب تناول الطعام وخاصة ...

  • الشذوذ الجنسي وكارثة العصر

    2022-10-16

    نستشعر من الأحاديث النبوية الشريفة تشدُّد النبي صلى الله عليه وسلم وتجريمه وإنكاره بذكر اللعن من الله في موضوع تشبُّه الرجال بالنساء وبالعكس ، كما نلمس حرصه صلى الله عليه وسلم على محاربة بوادر هذا الأمر لما قد يفضي إليه في عدد من الأحاديث النبوية الش...

  • الاستنجاء من البول والغائط

    2022-09-17

    قد نصاب جميعنا بالقُرْف عندما نتحدث عن موضوع البول والغائط، ولكن هل نعتقد أنه من قبيل الصدفة أن يُطلَب منك عيِّنة من البول أو البراز عندما يريد الطبيب الكشف عن بعض الأمراض التي تعانيها ؟ في دراسة لنيل درجة الماجستير بعنوان (الوقاية الصحية في السنة ا...

  • الوضوء وأهميته العلمية والصحية (2/2)

    2022-08-16

    تناولنا بالشرح في العدد الماضي الأهمية العلمية والصحية للوضوء بصورة عامة، ثم عرّجنا إلى موضوع الأهمية العلمية والصحية من غسل الوجه، وكذلك الأهمية العلمية والصحية من غسل اليدين إلى المرفقين. ونعلم أن الوضوء لم يكتمل بعدُ عند هذه الخطوات، لذلك سنواصل ف...

  • السواك ونظافة الفم والأسنان

    2022-06-16

    وجدت مجموعة من الدراسات أن الثِّقَل الميكروبي الذي يعيش في الأحوال الطبيعية بالفم متعدد الأنواع ومختلف الأشكال والأحجام، إلا أنه وُجِد أن فم الجنين وحتى الوليد في لحظاته الأولى قبل أن يتناول الطعام أو أن يشرب الحليب عادة ما يكون خالياً من البكتيريا، ...